الوساطة، طريق ودي كرَّسه القانون 95.17

الوساطة وسيلة بديلة لحل النزاعات تتيح للأطراف تسوية خلافهم باتفاق متفاوَض عليه، بمساعدة غيرٍ محايد، بدل حكم مفروض. وفي المغرب، تخضع لـالقانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الصادر بالظهير رقم 1.22.34 بتاريخ 24 ماي 2022.

وقد حدَّث هذا القانون إطارَ الوسائل البديلة وجعله مستقلًّا: إذ خصَّص البابَ الثاني (المواد من 86 إلى 100) لـالوساطة الاتفاقية، فنظَّمها بشكل كامل، عوضًا عن المقتضيات السابقة لقانون المسطرة المدنية. وتسري الوساطة على طيف واسع من النزاعات: التجارية، والتعاقدية، والجوار، والأسرية المالية، والشغل، وغيرها.


الوساطة الاتفاقية: شرط أو عقد وساطة

يمكن للأطراف اللجوء إلى الوساطة بطريقتين:

  • بـشرط الوساطة المُدرَج في العقد، الذي يُلزِمهم، عند نزاع مستقبلي، بمحاولة الوساطة قبل أي محاكمة؛
  • بـعقد الوساطة، المُبرَم بعد نشوء النزاع، الذي يقرر الأطراف بمقتضاه عرضَ خلافهم القائم على وسيط.

وفي الحالتين، يكون اتفاق الأطراف حجر الزاوية: فالوساطة مسطرة طوعية، يبقى كل طرف حرًّا في إنهائها.


اختيار الوسيط ودوره

الوسيط غيرٌ مكلَّف بتيسير الحوار ومساعدة الأطراف على إيجاد حلّ بأنفسهم. ويشترط القانون 95.17 أن يكون مستقلًّا، ومحايدًا، ونزيهًا، ومستقيمًا. ولا يمكن إسناد هذه المهمة إلا لشخص ذاتي كامل الأهلية لم تصدر في حقه إدانة عن أفعال مخلّة بالشرف أو الاستقامة.

ولا يبتّ الوسيط في النزاع: فهو لا يفرض أي قرار. بل دوره إشاعة مناخ من الثقة، وتوضيح المواقف والمصالح، ومواكبة الأطراف نحو اتفاق متوازن.


السرية، ميزة كبرى للوساطة

تُعدّ السرية من أهم مزايا الوساطة. فالتبادلات والتصريحات والمقترحات المُدلى بها أثناء المسطرة مشمولةٌ مبدئيًا بالسرية، ولا يمكن إفشاؤها ولا الاحتجاج بها لاحقًا، لا سيما أمام القاضي، إلا باتفاق الأطراف.

وتشجِّع هذه الضمانة حريةَ النقاش: إذ يمكن للأطراف استكشاف حلول دون خشية أن تنقلب تنازلاتهم ضدهم عند الفشل.


سير المسطرة وأجل المهمة

تسير الوساطة بمرونة، وفق اتفاق الأطراف: تعيين الوسيط، وتحديد موضوع النزاع، وجلسات النقاش، ثم صياغة اتفاق عند الاقتضاء. وتُحصَر مهمة الوسيط عمومًا في أجل متفق عليه، قابل للتمديد بالتراضي.

ويمكن لأي طرف، في أي وقت، أن يقرر إنهاء الوساطة. وعند النجاح، تنتهي المسطرة بتحرير اتفاق مكتوب.


اتفاق الوساطة: القيمة القانونية والقوة التنفيذية

يشكِّل الاتفاق الناتج عن الوساطة صلحًا بمفهوم الفصول 1098 وما يليها من قانون الالتزامات والعقود: فله، بين الأطراف، قوة الشيء المقضي به، ويسوّي نهائيًا النقاط التي يتناولها.

والأهم أن القانون 95.17 يتيح إكساء هذا الاتفاق الصيغة التنفيذية بأمر من رئيس المحكمة المختصة محليًا. فيغدو الاتفاق سندًا تنفيذيًا: فإذا لم يحترمه أحد الطرفين، أمكن للآخر طلب تنفيذه جبرًا، دون الحاجة إلى محاكمة جديدة في الموضوع. وهذا ما يجعل الوساطة بديلًا جادًّا، لا مجرد اتفاق أدبي.


لماذا اللجوء إلى الوساطة؟

مقارنةً بالمحاكمة، تقدِّم الوساطة مزايا حاسمة:

  • السرعة: إذ يمكن التوصل إلى اتفاق في بضعة أسابيع؛
  • الكلفة الأقل غالبًا من نزاع قضائي طويل؛
  • السرية، التي تصون السمعة وعلاقات الأعمال؛
  • الحفاظ على العلاقات (العائلية، التجارية، المهنية)؛
  • التحكم في الحل، المتفاوَض عليه بدل المفروض.

غير أنها لا تلائم كل الوضعيات: ففي حالة سوء النية الواضح، أو الاستعجال، أو الحاجة إلى إجراء تحفظي، يبقى الطريق القضائي ضروريًا.


دور المحامي في الوساطة

يؤدي المحامي دورًا أساسيًا: فهو يقيّم جدوى الوساطة، ويُعِدّ الملف والحجج، ويؤازر موكِّله أثناء الجلسات، ويحرص قبل كل شيء على أن يكون الاتفاق النهائي واضحًا، وكاملًا، ومتوازنًا، وقابلًا للاستثمار القانوني — بما في ذلك تهيئته للصيغة التنفيذية. فالاتفاق الرديء الصياغة قد يكون مصدر نزاعات جديدة.


أسئلة متكررة

هل اتفاق الوساطة ملزِم بالاحترام؟

نعم. فهو بمثابة صلح (الفصول 1098 وما يليها من قانون الالتزامات والعقود) وله، بين الأطراف، قوة الشيء المقضي به. وبعد إكسائه الصيغة التنفيذية من رئيس المحكمة، يمكن تنفيذه جبرًا.

هل تمنع الوساطة اللجوء إلى القضاء لاحقًا؟

لا. ففي حال الفشل، يحتفظ الأطراف بحقهم في التقاضي. غير أن التبادلات السرية للوساطة لا يمكن استعمالها ضدهم.

من يمكن أن يكون وسيطًا في المغرب؟

شخص ذاتي مستقل، ومحايد، ونزيه، ومستقيم، وكامل الأهلية، لم تصدر في حقه إدانة عن أفعال مخلّة بالشرف أو الاستقامة (القانون 95.17).


هل تحتاج إلى مواكبة في الوساطة بفاس؟

لإعداد وساطة، أو تعيين وسيط، أو تأمين اتفاق ودي، اطلع على صفحة الوساطة والحل الودي. ويمكن أن تتمفصل الوساطة مع ملف في قانون العقود، أو قانون الأعمال، أو قانون الأسرة.


يُنشر هذا المقال لأغراض إعلامية ولا يشكل استشارة قانونية شخصية. يُنصح بالرجوع إلى محامٍ بالمغرب لكل وضعية خاصة.